هلال بن محسن الصابي
304
الوزراء
ويطرح الأكثر ، ولحظه أبوه ، فخفف الصلاة ثم صاح عليه وقال له : أفسدت أمرى في نظري ، وتريد أن تفسده في حبسى ! وأقبل على الرسولين وقال لهما : ما أحسنتما الفعل . فإنكما أنفذتما إلىّ فعدلتما إلى ولدى عنى ، وإنما كان خليفتي . فقاما إليه وعرّفاه ما حضرا فيه . وأقرآه الرقاع . فجعل يتأمّل التوقيعات خاصّة ، حتى إذا استوفى النظر فيها قال لهما : قولا للوزير - أيده اللّه - هذه التوقيعات صحيحة ، وما وقّع بها إلّا بإذني ، فإنه ما كان أحد من كتابي يقدم على أن يوقّع عنى بما لا أعلمه ولا أرسمه ، والذي فعلته هو ما رأيته صلاحا لنفسي وخدمة للخليفة - أطال اللّه بقاءه - في استمالة قلوب حاشيته ورعيته ، واستخلاص نيّتهم في موالاته وطاعته ، والأمر الآن إليك فافعل ما تراه . قال : فقاما وعادا إلى علي بن عيسى ، وأعادا عليه قوله : فقامت قيامته منه ، واضطرّ إلى إمضاء الأكثر ، وإسقاط من استضعف صاحبه واستلان جانبه ، ولم تكن له جهة تشفع في بابه . وعرف الحاشية ذلك ، وشكروا الخاقانىّ وتعصبوا له ، وقاموا بأمره مع المقتدر باللّه حتى قرّرت مصادرته وأطلق بعد أربعة أشهر . وقال الخاقاني « 1 » لابنه بعد انصراف ابن أيوب وابن الماسح : أردت يا بنىّ أن تبغّضنا إلى الناس بغير فائدة ، ويكون أبو الحسن علىّ بن عيسى قد لقط الشّوك بأيدينا ! نحن قد صرفنا ، ولم لا نتحبّب إلى الخاصة والعامّة بإمضاء ما زوّروه علينا ؟ فإن أمضاه كان الحمد لنا والثقل عليه ، وإن أبطله كان الحمد لنا والذّمّ عليه . وقد كان الخاقاني متخلّفا عامّيّا إلا أنه كان خبيثا داهيا ، ولم يكن له إلا هذه الأفعال الثلاثة : في أمر ابن الفرات ، وأمر ابن أبي البغل ، وتلافى الحاشية بعد النكبة . وقد حفظ من سقطاته وحكاياته ما كان أعداؤه يشنّعون عليه به . وقد أوردنا ما سمعناه وتأدى إلينا منه .
--> ( 1 ) ابن الأثير حوادث سنة 300